منير سلطان
26
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
قد تأثروا بما ذهب إليه القدرية في القرن الأول في حرية الإرادة ، ولكنهم ليسوا فرعا ولا استمرارا للقدرية « 1 » . ولم تتسمّ المعتزلة باسمها لأن واصلا قد اعتزل الحسن البصري في مسجده . . . الخ ، فتاريخهم أبعد من هذا ، ولم يكن لهم اسم المعتزلة وحده ، بل تسمّوا بالقدرية نسبة إلى مذهبهم في القدر ، وبالعدلية نسبة إلى رأيهم في العدل الإلهي ، وبالموحّدة لأنهم ينادون بالتوحيد ، ولكن أشهر الأسماء إطلاقا ( المعتزلة ) ، يقول أحمد أمين « أنهم سمّوا المعتزلة لاعتزالهم قول الأمة ، يعنون بذلك - أنّهم اشتقّوا لأنفسهم طريقا جديدا ، وساروا فيه وخالفوا غيرهم ، وليس تحولهم من سارية إلى سارية جديدة - إن صحّ - إلا رمزا لتنحيهم عن هذه الفرق وإنشائهم فرقة جديدة » « 2 » . ترى رأيها الخاص في القدر ، وفي صفات اللّه عز وجل ، وفي خلق القرآن الكريم وفي العقل والنقل . ولكن ما موقف الأمويين من المعتزلة ؟ من البديهي أن ما يهمّ الأمويين هو رأى المعتزلة سياسيا ، ومقياس رضاهم مرتبط برأي المعتزلة في مرتكب الكبيرة . وفي أصحاب موقعة الجمل ، وفي أصحاب موقعة صفّين . وسبق أن عرفنا موقف المعتزلة الوسط في مرتكب الكبيرة ، ولأنهم كانوا يؤمنون بتقدير العقل ، وما يصل إليه من نتائج ، فلم ينظروا إلى صحابة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم نظرة المرجئة ، التي تحاشت الحكم عليهم تبعا لمذهبهم ، ولم يقصروا نظرتهم على مسألة التحكيم فقط . بل أخضعوا جميع الصحابة للنقد الصريح ، بل قل : بالنقد والتجريح ، مثلما صدر من واصل في عدم جوازه قبول شهادة علىّ وطلحة والزبير على باقة بقل ، ومثل سبّ عمرو بن عبيد لأبى هريرة ، وطعنه في روايته . . . إلى غير ذلك . وكذا نقدوا معاوية وعمر بن العاص ، ولكن يظهر - كما يقول أحمد أمين - أن الأمويين رأوا في ذلك من الكسب لهم أكثر من الخسارة ، فهذا في الأقل يجعل معاوية وعليا في ميزان نقد واحد ، وفي الغالب ترجح كفّة معاوية وآله ، لأن الدولة دولتهم ، والناس يخشون نقدهم ، ولا يخشون غيرهم . . .
--> ( 1 ) كارل نيلينو - بحوث في المعتزلة - 192 . ( 2 ) أحمد أمين - فجر الإسلام - 295 ، 296 .